ابن كثير
56
البداية والنهاية
مات . قلت : كانت وفاته بمصر لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال : شديدا ، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين رحمه الله آمين . وقد ذكر الأصمعي عن رجل أن جميلا قال له : هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة ولك ما عندي ؟ قال : نعم ! قال : إذا أنا مت فاركب ناقتي والبس حلتي هذه وأمره أن يقول أبياتا منها قوله : قومي بثينة فاندبي بعويل * وابكي خليلا دون كل خليل فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدر سرى في جنة وهي تتثنى في مرطها فقالت له : ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني ، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني . فقلت : بلى والله صادق وهذه حلته وناقته ، فلما تحققت ذلك أنشدت أبياتا ترثيه بها وتتأسف عليه فيها ( 1 ) ، وأنه لا يطيب لها العيش بعده ، ولا خير لها في الحياة بعد فقده ، ثم ماتت من ساعتها : قال الرجل : فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ . وروى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق : لو تركت الشعر وحفظت القرآن ؟ فقال : هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن من الشعر لحكمة " ( 2 ) . عمر بن عبيد الله ابن معمر بن عثمان أبو حفص القرشي التميمي أحد الأجواد والامراء الأمجاد ، فتحت على يديه بلدان كثيرة ، وكان نائبا لابن الزبير على البصرة ، وقد فتح كابل مع عبد الله بن خازم ، وهو الذي قتل قطري بن الفجاءة ، روى عن ابن عمر وجابر وغيرهما ، وعن عطاء بن أبي رباح ، وابن عون ، ووفد على عبد الملك فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين . قاله المدائني . وحكى أن رجلا اشترى جارية كانت تحسن القرآن والشعر وغيره فأحبها حبا شديدا وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ولم يبق له شئ سوى هذه الجارية ، فقالت له الجارية : قد أرى ما بك من قلة الشئ . فلو بعتني وانتفعت بثمني صلح حالك ، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا ( 3 ) - وهو يومئذ أمير البصرة بمائة ألف
--> ( 1 ) ذكرها ابن خلكان في الوفيات 4 / 371 والأغاني 8 / 154 : وإن سلوي عن جميل لساعة * من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر * إذا مت بأساء الحياة ولينها ( 2 ) أخرجه البخاري في الأدب ( 90 ) والترمذي في الأدب باب ( 90 ) وابن ماجة في الأدب ( 41 ) والدارمي في الاستئذان ( 68 ) وأحمد في المسند 1 / 269 ، 271 ، 303 ، 309 ، 313 ، 327 ، 3 / 456 ، 5 / 125 . ( 3 ) في العقد الفريد 1 / 92 باعها من عبيد الله بن معمر .